الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

215

الاجتهاد والتقليد

أصحاب الأئمّة عليهم السّلام ، فإنّهم كانوا متمكّنين من تحصيل الأحكام الواقعيّة ، لانفتاح باب العلم لهم بالسؤال عن خزنته عليهم السّلام . وأمّا على فرض عدم التمكّن من تحصيله في زماننا هذا ، فنحن إن كنّا مكلّفين بتحصيل الواقع ، يلزم التكليف بما لا يطاق ، فلاستحالته على اللّه تعالى حكم عقولنا بأنّ تكليفنا العمل بالمعتقد ، وبما أدّى ظنونا إليه من باب الاضطرار ، وأكل الميتة عند المخمصة ، وأنّ هذا الحكم المعتقد بمقتضى العقل بدل من الحكم الواقعي إن لم يطابقه . ولنمثّل لتوضيح تحرير محلّ النزاع بالأدوية الموجودة في عالم الحس ، حتّى ينكشف غاية الانكشاف ، فإنّ عالم الأجساد نظير لعالم الأرواح ، وكما أنّ الأدوية والمعاجين الخارجيّة يصير سببا لشفاء أمراض الأبدان ، ويوجب حفظ الصحّة في صورة عدم المرض ، وربما يوجب بعض الأدوية الهلاك في بعض الأمزجة ، وهكذا أحكام اللّه تعالى يوجب شفاء أمراض الأرواح من الجهل وعساكره ، من البخل والحسد والقسوة ونظائرها . فنقول : إنّ بعض الأمراض البدنيّة ممّا له أدوية متعدّدة ، يدفع كلّ واحد منها بالأصالة المرض ، كمن كان له مثلا مرضا صفراويّا ، فإنّ هذا المرض ممّا يندفع بالأدوية الباردة الرطبة ، وكلّ واحد منها كاف في دفع المرض ، فالطبيب حينئذ يخيّر المريض بين استعمال أيّها شاء ؛ نظيره في الأحكام ، كما في الواجبات التخييريّة ، فإنّ من أفطر يوما من رمضان من دون عذر ، يحصل لنفسه وروحه من ذلك مرض ومفسدة ، وجعل الطبيب الواقعي لدفع هذا المرض من الروح أدوية ثلاثة هي الكفّارات الثلاث ، ولمّا كان كلّ واحد منها مستقلّا في دفع هذا المرض ، خيّر هذا المريض في الإتيان بأيّها أراد ؛ والأحكام التي هي من هذا القبيل ليس من محلّ النزاع ، لأنّ الفريقين كليهما يقولون إنّ هذه الأحكام من الأحكام الواقعيّة المرتسمة في اللوح . وبعض الأمراض ممّا له بالأصل دواء واحد ينتفع به ، ولكن له في الخارج بدل